5:22 مساءً الأربعاء ,12 ديسمبر 2018

“مراسل نيويورك تايمز” يروي ما شاهده في اليمن

(عدن السبق) نيويورك: 

نشرت “نيويورك تايمز” تقريرا لمدير مكتبها في القاهرة، ديكلان وولش، من العاصمة اليمنية صنعاء، يبدأه بوصف الطعام في أحد مطاعم صنعاء، اللحم المطبوخ على نار هادئة، والأرز، والكنافة.

ويشير الكاتب إلى عودته بعد ساعة للعمل في مستشفى مليء بالأطفال الذين يعانون من سوء التغذية، وهم عالقون بين الحياة والموت بسبب نقص المال والغذاء.

ويعلق وولش قائلا: “إذا صدمتك هذه المقارنة، ودعتك إلى الاشمئزاز، فإن هذا كان شعوري أيضا.

“ويفيد التقرير، الذي حَصلت عليه صحيفة “عدن الغد”، بأن “هناك عادة تباين ظاهرة في مناطق الأزمات، لكن في اليمن، يشعر الخليجيون بالذات بعدم الراحة، المشكلة ليست في قلة الطعام، بل في قلة الناس الذين يستطيعون شراء ما توفر منه، فسنوات من الحصار والقصف والتضخم تسببت في تحطيم الاقتصاد، ودولة محطمة لا توجد فيها شبكة أمان.

وتبين الصحيفة أنه نتيجة لذلك فإن المتسولين يتجمعون خارج أسواق مليئة بالسلع في بلدات يأكل فيها الجياع أوراق شجر مغلية، فيما لا تبعد المطاعم التي تبيع الطعام الغني سوى أمتار عن عنابر الجوع المليئة باليأس والألم والموت.

ويقول الكاتب: “كوني مراسلا فإن هذا يشكل معضلة، فالصحافيون يسافرون وهم يحملون مبالغ نقدية كبيرة، عادة دولارات، للدفع للفنادق والتنقل والترجمة، وجزء قليل من تلك النقود قد يساعد عائلة جائعة لفترة طويلة، فهل علي أن أتوقف وأضع دفتري جانبا وأعرض المساعدة؟”. ويلفت التقرير إلى أن هذا سؤال سأله بعض القراء عندما نشرت الصحيفة مقالا حول المجاعة التي تلوح في الأفق في اليمن، حيث تأثر الكثير بصور أمل حسين، التي أخذها المصور تايلر هيكس، والتي تعرض طفلة في السابعة من عمرها، هزل جسدها، وسلطت نظرتها الأضواء على الثمن الإنساني للحرب في اليمن، وصدم الكثيرون عندما علموا بأن أم أمل عادت بها إلى مخيم اللاجئين حيث ماتت بعد أيام قليلة.

وتفيد الصحيفة بأن بعضهم، بسبب حزنهم الشديد، حوّل التركيز عليها، وأرادوا أن يعرفوا لماذا لم تفعل شيئا لإنقاذ حياة أمل، وهل قمنا بأخذ الصورة وأجرينا المقابلة ومشينا؟ هل كان بإمكاننا التأكد من حصول عائلتها على المساعدة؟ وقالت إحدى المعلقات على (تويتر): (كان بإمكانكم أخذ الصورة وتقديم المساعدة.. فلا يلغي أحد الأمرين الآخر)”. ويقول وولش إنه كان لهذه الأسئلة صداها، المراسلون مدربون بأن يكونوا شاهدين، أما عمال الإغاثة والأطباء فوظيفتهم مساعدة الناس.

ويعلق الكاتب قائلا: “التبرع بالنقود، أو تقديم أشكال أخرى من المساعدة، يمكن أن تكون مليئة بالتعقيدات الأخلاقية والعملية، فهل من العدل اختيار عائلة من دون العائلات للمساعدة؟ وماذا لو لمعت قصتها أكثر للمراسل الأجنبي القادم ظنا منها أنها قد تحصل على المزيد من المال؟ ثم إن لدينا وظيفة نقوم بها.

ويقول وولش: “يقوم الأطباء بأخذنا في جولة، وأحيانا ينتهي بنا الأمر نتصرف مثلهم -يفحصون الأطراف الأشبه بالعصي والجلد المترهل منفصلين بعواطفهم، ويسجلون في الجداول الأرقام حول العمر والوزن، ويستمعون للعائلات يروون مأساتهم بهدوء مذهل، ويناقشون احتمال الوفاة، ونهز رؤوسنا بحكمة ونسجل ملاحظاتنا ثم نستمر في الجولة

ويضيف الكاتب: “مع أننا نحاول أن نقلد الحجارة، إلا أننا لسنا حجارة، وكل يوم في اليمن يخبرني أحدهم شيئا فتخنقني العبرة، وعادة بسبب تفصيل مادي، مثل عدم توفر دولارات قليلة لنقل طفل مريض للمستشفى، يكتشف الشخص أن اليمن يموت فيها الناس لعدم توفر أجرة (تاكسي)، بالإضافة إلى أن تضاريس اليمن صعبة أيضا.

 ويواصل وولش قائلا إنه في الوقت الذي يموت فيه البعض في اليمن، إلا أن آخرين يستمرون في حياتهم، “عدنا يوما إلى فندقنا في حجة، وهي بلدة محاطة بالتلال الصخرية في محافظة تعرضت للغارات الجوية السعودية، وبينما كنت مستلقيا في فراشي أفزعني صوت انفجار، وضوءا ملأ السماء، ليس قنبلة ولكن ألعاب نارية.

ويشير التقرير إلى أن معدلات الزواج في اليمن زادت منذ بدء الحرب، ولذلك ففي هذه البلدة التي يموت فيها الرضع من سوء التغذية في المستشفى، هناك آخرون يحتفلون ويرقصون طول الليل، مستدركا بأن الارتفاع في معدلات الزواج هو أيضا آلية بقاء.

وتبين الصحيفة أن اليمنيين من الطبقات جميعها ينحدرون نحو الفقر، ففي الوقت الذي كانت فيه الأم سابقا تشتري كيسا كبيرا من الأرز لتغذية عائلتها، فإنها لا تستطيع الآن سوى شراء كيس صغير، مشيرة إلى أن تزويج البنت يعود بالمال، فيصبح التزويج مصدرا للدخل للعائلة المحتاجة.

ويجد الكاتب أن ما يثير القلق هو أن معظم العرائس لم يبلغن الثامنة عشرة من العمر، فبحسب اليونيسيف فإن ثلثي الفتيات يزوجن تحت سن 18 عاما، بعد أن كانت هذه النسبة 50% قبل الحرب. ويقول وولش: “قطعنا اليمن من ميناء الحديدة إلى الجبال التي يسيطر عليها الحوثيون، في رحلة طولها 900 ميل، ورأينا المعاناة التي تحطم القلب تتكشف على خلفية جبال جميلة وعادات متجذرة تعيش بالرغم من كل شيء.

ويضيف الكاتب: “كل يوم، تزدحم مراكز البلدات بالرجال الذين يشترون القات، وتعد أسواق القات مكانا للتفاعل الاجتماعي، حيث يجتمع الرجال، بعضهم بنادقهم على أكتافهم، ويتبادلون الأخبار ويلتقون بالأصدقاء ويحضرون لجلسات تخزين القات، وحتى مع المجاعة فإن البعض يتردد في التقليل من هذه العادة.

 ويلفت التقرير إلى أن إبراهيم جنيد كان يقف في إحدى العيادات ومعه رضيع مريض عمره 5 أشهر، وكان في فمه كتلة من القات يمضغها، حولت لون أسنانه وشفتاه إلى الأخضر، مشيرا إلى أن جنيد يبلغ من العمر 60 عاما، وزوجته التي كانت تقف بجانبه بصمت عمرها 25 عاما، وقامت الممرضات بلف الرضيع بورق معدني ذهبي اللون لإبقائه دافئا. وتنقل الصحيفة عن جنيد، قوله إنه يؤسفه أن ابنه لم يحصل على الغذاء الكافي، لكن لديه العديد من الأطفال ليطعمهم، فهو متزوج مرتين، وعنده 13 طفلا.

ويعلق وولش قائلا: “قد يصعب فهم ممارسات مثل تخزين القات في وقت متقلب كهذا، لكن بالنسبة للرجال، مثل جنيد، فإنه يشكل جزءا أساسيا من حياتهم اليومية، وهو علامة ثبات لمجتمع قديم يعد من أقدم المجتمعات في الشرق الأوسط”. ويورد التقرير نقلا عن عامل الإغاثة الذي عمل في اليمن منذ ثمانينيات القرن الماضي، ويدير الآن أطباء بلا حدود في مدينة المخا، ثيري دوراند، قوله: “الناس يقولون إن اليمن في حالة فوضى، لكنه ليس كذلك.. لا تزال هناك هيكلية”. ويضيف دوراند: “لا يمكنك اختصار الأمر في ثلاثة أسطر في صحيفتك، أو أن تصفه في ثلاث دقائق على التلفاز.. هذه البلد مهيكلة بحسب العائلة والقبيلة والعادات، وبالرغم من كل شيء لا تزال تلك الهياكل موجودة وقوية”. وتستدرك الصحيفة بأنه مع ذلك، فإن المجتمع اليمني خربته الحرب، فالغارات الجوية للتحالف الذي تقوده السعودية، بمساعدة القنابل الأمريكية، قتلت آلاف المدنيين، وحولت المزيد إلى نازحين، إلا أنه بالنسبة لمعظم اليمنيين فإن الحرب تدمر حياتهم بطريقة أهدأ وأكثر خبثا.

ويفيد الكاتب بأن الغارات التي تستهدف الجسور والمصانع تقتل الوظائف، وتتسبب بانهيار العملة وارتفاع الأسعار، مجبرة العائلات على التوقف عن أكل اللحوم، ثم الخضار، ثم الاعتماد على المساعدات الدولية، وفي أسوأ الأحوال اللجوء إلى أكل أوراق الشجر المغلي، مشيرا إلى أن الناس لا يستطيعون الحصول على أشياء صغيرة، لكن ضرورية، مثل أجرة “تاكسي.

ويقول وولش: “عندما سرنا في السيارة بعد مغادرة المستشفى الصغير في أسلم، حيث كانت تعالج أمل حسين، مررنا على زوجين معهما رضيع، يحاولان إيقاف سيارة، فتوقفنا وحملناهم معنا، وحشروا أنفسهم في المقعد بجانب السائق، الأب، خليل هادي، الذي تغطيه عباءة زوجته هناء، وهي تحمل ابنهما وجدان، البالغ من العمر 9 أشهر، وقد تم إخراجه من قسم سوء التغذية.

 وينوه التقرير إلى أن بيت هذه العائلة كان بالقرب من الحدود السعودية، وتعرض للقصف، ولذلك استأجروا غرفة بالقرب من أسلم، وحاول هادي كسب قوته بالعمل سائق دراجة نارية وفي الاحتطاب، إلا أن ذلك لم يكن كافيا، فحاولوا العودة إلى بيتهم، لكن الجنود الحوثيين قالوا لهم إن المنطقة لا تزال منطقة عسكرية، وتحول غذاؤهم إلى خبز وشاي، وزوجته حامل في شهرها الرابع بطفلهما الثاني.

وبحسب الصحيفة، فإن هادي لم يبحث عن مساعدات، حيث قال إن “الكثير مثلي يعانون.. أنا مستعد للقيام بأي شيء لكسب بعض النقود.. فالوضع صعب جدا.

 ويقول الكاتب: “على أحد التقاطعات في الشارع نزل الزوجان وشكرانا، ومشيا بعيدا، مددت يدي بجيبي ودعوتهما.. أخرجت أوراقا نقدية يمنية – قيمتها حوالي 15 دولارا – ووضعتها في يده، بدا هذا الأمر غير مجد.. فماذا عساها تشتري لهم؟ ربما تريحهم أياما.

وتتختم “نيويورك تايمز” تقريرها بالقول إن “هادي قبل النقود بابتسامة لطيفة، وعندما انطلقنا رأيت الزوجين يمشيان عبر شارع ترابي إلى سكنهما ومعهما طفلهما المريض”.

شاهد أيضاً

غضب يمني عارم على صحيفة “الواشنطن بوست” لهذا السبب !!

شن ناشطون وسياسيون يمنيون هجوما لاذعا على