دعوة من أجل إصلاح التعليم “ديمقراطية التربية” (12)

  كتب/ هشام الحاج:

لا يمكن أن نؤمن للفرد في مجتمعنا العربي ثقافة عامة بشكل أوسع لكل فرد في الوطن العربي إلا عن طريق إصلاح التعليم، ما من شأنه إزالة الفوارق الطبقية والمعرفية.

 

ومن نافلة القول الزعم بأن الباحثين والمفكرين العرب وقادة الدول لم يضعوا هذه التساؤلات نصيب أعينهم أو لم تؤخذ بالاعتبار، ونحن لا نستطيع أن نلوم حصان العربة لأنه ليس جواداً أصيلاً، كذلك لا يسعنا أن نلوم دعوى من أجل إصلاح التعليم لأنها ليس إعلاناً سياسياً فمن المهم أن ندرك أنه توجد هوة عميقة بين يسر وسهولة مقترحات العديد من الهيئات الدولية من الإصلاحات للتعليم المرجوة في قطاع التعليم وبين الصعوبات التي قد تواجه بيع هذه المقترحات الإصلاحية في سوق السياسة وكل الحكومات والساسة والمحافظين والناس جميعاً الذين لا يهمهم سوى معرفة النفقات التي تتكفلها هذه الإصلاحات إن التعليم لا يعلوا فوق السياسة في وقتنا الحاضر، وتؤثر فيه وإنصافاً للمهتمين بإصلاح التعليم ينبغي الاعتراف بأنهم كانوا يدركون هذه الحدود، ومن الغرور أن يدعي المفكرون والنخب الفكرية أنهم يقاتلون لتحقيق مجتمع متعلم يبعث في يوم مشرق وقد استكمل شكله واستعداداه وأخذ زخرفه وبدأ براقاً لامعاً كلعبة جديدة، لأننا نتحدث عن هذا العالم بعبارات طنانة ورنانة، وأقصى ما نتمناه أن تصبح تلك المحاولات إحدى الشعارات والنداءات التي ترفع كالأعلام فيما يثار من معارك سياسية واجتماعية ضاربة تؤدي إلى خلق ظروف موضوعية، يبذل فيها الجهد ويُطلق فيها العنان للخيال والقيام بالأفعال والأعمال الجرئية، فقد أصبح التعليم هو المدخل الوحيد لتحقيق تقدم حقيقي ومطرد في حياة المجتمعات العربية لدوره المهم في بناء شخصية المواطن وتنمية قدراته ومهاراته ولأن العلم والمعرفة أصبح الجزء الأهم في العملية الإنتاجية الذي يضمن جودة المنتج العربي وتطور المستمر لعملية إنتاجه ورفع كفاءة استخدامه والسعي إلى تقليل نفقات تكاليفه مع الحفاظ على الجودة كي يقدر على المنافسة في سوق عالمية واحدة أسقطت حواجز الحماية، وجعلت من الداخل والخارج سوقاً واحدة، فلا بد من سد الفجوة المتزايدة الاتساع في الثورة بين الفقراء والأغنياء، ومن ثم في الوسائل التعليمية بين البلدان المتقدمة والبلدان النامية، مع الحاجة إلى توسيع مفهوم التربية من حيث المكان وبأن (لا تبقى التربية محصورة بين جداران المدرسة والجامعة) من حيث الزمان أن لا تبقى التربية مقتصرة على سنوات المراهقة أو سنوات الرشد بل قد تمتد إلى سنوات العمر كلها.

 

ضرورة الحاجة لتخطي الحواجز التقليدية في علم التربية وتنمية نظم ديمقراطية وطرق أكثر ملائمة لتعليم الجماهير، وذلك بوسائل تكنولوجية وغيرها من المستحدثات.

 

فأقول أخيراً لابد أن نؤسس تربية من أجل الديمقراطية ومن أجل مجتمع متعلم بمعنى آخر هو إتاحة الفرص التعليمية والفرص الحقيقية لا النظرية لكل الفئات المحرومة، ولكننا نقول على الرغم من نغمة التفاؤل التي يسود الواقع إلا أننا يجب أن نعترف أن هناك عوائق على الطريق إلى مجتمع مستمر في التعلم وأن تحقيق الديمقراطية في مجال التربية ليس وهماً وخيالاً وأن الكمال لا يتوفر في مثل هذه التربية في هذا الزمان، لأن الكمال يكاد يكون من المستحيلات ولكن ديمقراطية التربية هي التي تتماشى مع مقتضيات الواقع وتقوم على أسس موضوعية وتصلح للتطبيق العملي وليست مستمدة من الأنظمة البيروقراطية وليست هبة من أحد أو من طرف ولكنها نريدها حية مبدعة تطويرية ولاشك أن تغييرها تحتاج إلى تغيير البينات الاجتماعية والحد من الامتيازات التي بقيت مخلفاتها في تراثنا الثقافي، وهذا يلزم منا تعديل البنيات التربوية من أجل فتح مجال أوسع أمام المتعلمين على تحرير التربية والسير بها في طريق التربية المستمرة مع العناية بالحالات الفردية في التعليم إضافة إلى توعية الطلبة بمشاكلهم وحقوقهم ومشاريعهم والقضاء على الأنظمة التربوية القائمة على السلطة وتعويضها بمؤسسات تعليمية قائمة على مبادئ جغرافية السكان مع تكوين رجال للتعليم تكويناً مركزاً على المعرفة واحترام الشخصية الإنسانية بمختلف جوانبها مع إقرار مبدأ اللامركزية وتجريد العمل التربوي من الطابع البيروقراطي.

 

كلمة لابــد منهــا:

غياب الديمقراطية الحقيقة في مجتمعاتنا هي إحدى الأساليب الفاشلة التي لا يمكن أن نتطور بدونها، وهي من العوامل المهمة التي أحدثت الكثير من التحولات في صفوف الشباب ولا يمكن أن تحدث تغييرات سياسية وديمقراطية مالم يكن للديمقراطية دور في التربية ولم يستطع النجاح بدون الديمقراطية وفي ظل غيابها تلعب دور كبير في تشتيت عقلية الشباب العربي والقضاء على هويته الثقافية بعدم قدرتها على مشاهدة الشباب في اكتشاف قدراتهم واهتمامهم إضافة إلى أنها عملت لتوفير فضاءات التفسخ الخلقي والتكوين الملاذ لقضاء أزمات الفراغ ونسيانه والعمل.

لابد من تحقيق ديمقراطية المؤسسات التعليمية وأن يكون جميع المشاركين من طلاب وتلاميذ ومدرسين وباحثين كوادر جامعية وإداريين يجب أن يكونوا أحراراً ليشاركوا في اتخاذ القرارات المتعلقة بكلياتهم ومؤسساتهم التعليمية ولابد من تصحيح هذه الفكرة على مستوى الجامعات والمؤسسات.

 

نحتاج إلى مجتمع المستقبل المتعلم يجد فيه المواطنين تعليماً مدى الحياة مهما كانت أعمارهم أو أجناسهم سوى كانوا في دول غنية أوفقيرة لأن كل هذه الفوارق سوف تتداعى أمام التماسك والتلاحم والتكافل، بل نحتاج إلى مجتمع لا يعود فيه التعليم مقصوراً على الإطار المدرسي ولاهثاً وراء الامتحانات ونيل الشهادات، بل يغدوا عمليات إفراغ وتفجير للطاقات، فلابد أخيراً من الحكومات أن تبعث الحياة في هذه الصورة وتجسدها واقعاً ملموساً إذا كنا نريد إصلاحاً حقيقياً للتعليم.

#المرجع (بـيـتر سكوت).

شاهد أيضاً

الانتقالي وحوش !

  ليس مدحا او تطبيلا ولكن حقيقة لها اس..