تحديات أمنية واقتصادية تدفع الدول العربية لاقتحام مجال التصنيع العسكري

(عدن السبق) متابعات:

 

ضاعفت مصر والسعودية والإمارات من جهودها لتوطين صناعات التسليح خلال السنوات الأخيرة، ونجحت في وضع مجموعة من الخطط لتوجيه جزء من مخصصات الإنفاق على التسلح إلى مشروعات تكنولوجيا الصناعات العسكرية بالداخل بدلا من الارتكان إلى صفقات الأسلحة الخارجية، في سياق جملة من المتغيرات الإقليمية والدولية دفعت إلى انتهاج هذه السياسة لتحقيق مصطلح حماية الأمن القومي والتعامل مع انكماش اقتصاديات العديد من الدول.

وفرضت الحالة الأمنية القلقة التي تمر بها المنطقة، وتمدد بعض الأطراف المعادية والرغبة في الهيمنة على الدول التي تعاني هشاشة داخلية، الحاجة إلى أدوار أكبر للدول العربية المحورية خارج حدودها لمواجهة أحلام استعمارية تتبناها كل من تركيا وإيران، ما يتطلب الاحتفاظ بقدرات إنتاجية في مجال الصناعات العسكرية، تسمح بالارتكان إليها لمواجهة احتياجات الجيوش الدقيقة، الأمر الذي دفع نحو السعي لتحقيق جانب من الاكتفاء الذاتي من صناعة الذخائر والأسلحة الخفيفة وبعض أنماط الأسلحة الدفاعية.

بالطبع هناك شوط كبير أمام ولوج الصناعات العسكرية الثقيلة، وهناك ضوابط تحكم هذه المسألة، لكن يبدو أن هذه الدول تؤمن بالمثل القائل “طريق الألف ميل يبدأ بخطوة”.

تريد هذه الدول الوصول إلى أسواق ناشئة تتقارب جغرافيا معها في قارتي آسيا وأفريقيا وإتاحة المزيد من التعاون معها، بما يصب في صالح تحصين أبعاد أمنها القومي، وتوظيف وجود نواة تصنيع عسكرية، مثل الهيئة العربية للتصنيع بالقاهرة، يمكن تطويرها واستحداث أنظمة لإبرام صفقات أو المشاركة في عملية التصنيع.

تضع هذه الدول في حسبانها أنها ستكون أمام منافسة قوية مع تركيا، التي توظف تصديرها للسلاح المحلي لمد نفوذها على عدد من دول القارة الأفريقية، من خلال إنتاج أسلحة متطورة تواكب المرحلة الحالية وتتماشى مع الطبيعة المحلية، ما يجعل التركيز منصبا بشكل أكبر على صناعة المدرعات والدبابات.

قال مستشار أكاديمية ناصر العسكرية اللواء حمدي بخيت إن هذه الصناعات تعد أحد مكونات القدرة العسكرية، ولا يمكن أن تصل إليها الدول دون توطين التكنولوجيا إلى جانب استيراد المكونات الحديثة، بما يجعلها أكثر استقلالا في قرارها السياسي.

وأضاف لـ”العرب” أن القاهرة استفادت جيدا من درس حظر الولايات المتحدة منظومة تكنولوجيا الإصلاح والصيانة للطائرات “أف – 16” و”الأباتشي” في العام 2014، وقامت مصر بتدشين مصانع لتنفيذ صناعة هذه المعدات بالكامل في الداخل إلى جانب قيامها بتطوير المعدات والأسلحة الشرقية والغربية بحيث تتوافق مع مسرح العمليات في الشرق الأوسط وتتفق مع ظروف المناخ والعدائيات التي تتعرض لها.

وأوضح أن بعض الدول العربية لديها استراتيجيات للتخلي عن استيراد الذخائر والمعدات الخفيفة، مثل المدافع ومضادات الدبابات من الخارج، والاكتفاء فقط بالأسلحة المتطورة التي تضمن توازن القوى بالمنطقة، إلى جانب أن هناك استراتيجيات مشتركة بين كل من مصر والأردن والإمارات، بشأن امتلاك التكنولوجيا من أجل استيعاب وتطوير المعدات العسكرية التي تأتي من الخارج.

تتسارع وتيرة تطوير الصناعات العسكرية السعودية ضمن خطة استراتيجية شاملة لتطوير قطاع الصناعة تحت مظلة رؤية الرياض 2030، وتطمح الهيئة العامة للصناعات العسكرية والشركة السعودية للصناعات العسكرية (SAMI)، لتوطين نحو 50 في المئة من هذه الصناعة، وبلغت نسبة التوطين 8 في المئة هذا العام مقارنة بـ4 في المئة العام الماضي.

وأتاحت السعودية دورا أكبر للقطاع الخاص للمشاركة في التصنيع العسكري وحددت هيئة الصناعات العسكرية ثلاثة أنواع من التراخيص: التصنيع العسكري، وتقديم الخدمات العسكرية، وتوريد المنتجات أو الخدمات العسكرية، وبلغ عدد الشركات المرخصة 38 شركة، بعد أن منحت تراخيص لنحو 18 شركة جديدة في منتصف شهر يونيو الماضي، باستثمارات قيمتها 2.5 مليار دولار.

تعمل الشركات المرخص لها في مجال تصفيح المعدات العسكرية المختلفة والمناظير العسكرية، وصناعة قطع غيار جميع المعدات العسكرية وأعمال الصيانة لها، وبرمجة المستشعرات للطائرات دون طيار باستخدام أحدث البرامج العسكرية المتخصصة.

وأطلقت دولة الإمارات العربية المتحدة قبل نهاية العام المنقضي مجموعة التكنولوجيا المتقدمة “إيدج” وتضم 25 شركة متخصصة بتكنولوجيا قطاع الدفاع، ويعمل بها نحو 12 ألفا يمتلكون خبرات نوعية وفنية في الصناعات الدفاعية، تحديدا في القطاعات الرئيسية، كمنصات الصواريخ وأنظمتها، والصواريخ والأسلحة، والدفاع الإلكتروني، والحرب والاستخبارات الإلكترونية، ودعم المهام، علاوة على وجود نحو 160 شركة تعمل في مجالات التصنيع العسكري المختلفة.

تعتمد المجموعة الإماراتية الجديدة على عدة مبادئ أساسية، وهي الموهبة والشراكة والإحلال التكنولوجي، كما أنها تعمل وفقا لرؤية جديدة تعلي من قيم الإبداع والابتكار والتطوير، لجهة الاهتمام بالاستثمار في البحوث النوعية، خاصة تلك المرتبطة بالتكنولوجيا المتقدمة والصناعات الدفاعية، أو لجهة العمل على تعزيز الشراكات مع كبرى الشركات العاملة في قطاع الدفاع، ورواد المعدات الأصلية على مستوى العالم.

تقوم الاستراتيجية الإماراتية في هذا المجال، بحسب تصريحات صحافية لجان لو سمعان، الأستاذ المشارك في مركز الدراسات والبحوث الاستراتيجية بكلية الدفاع الوطني بالإمارات، على إقامة اقتصاد قائم على المعرفة وتدريب الجيل الجديد من المهندسين المتخصصين في هذا المجال، وبناء قاعدة عريضة من الكوادر المواطنة التي تقود هذا القطاع الاستراتيجي في المستقبل.

كما تمتلك مصر نحو 26 مصنعا للصناعات العسكرية، منها 9 مصانع تتبع الهيئة العربية للتصنيع، والباقي مملوك لوزارة الإنتاج الحربي، والتي تضم مجموعة من المعاهد والمراكز البحثية، ويبلغ عدد العاملين في تلك المصانع نحو 40 ألف عامل، وتتم عمليات تطوير الأسلحة بالتعاون مع عدد من الدول المتقدمة في هذا المجال.

أحدثت القاهرة نقلة نوعية في تلك الشركات عندما أنهت عملية تطويرها بالكامل، وكان من نتائج ذلك إنتاج رادار مصمم بالكامل بأياد مصرية في نفس مستوى الرادارات العالمية، كذلك المدرعة “سينا 200” التي تم تصنيعها أيضا بأياد وطنية خالصة، كما نشر الجيش المصري في ديسمبر الماضي مقطع فيديو لعدد من الأسلحة المصنعة في المصانع التابعة لوزارة الدفاع والإنتاج الحربي مثل “تمساح 3” والمركبات ST-100 / ST-500، والمركبة المدرعة “فهد 300” والمدفع المصري المعدل “M – 46 “.

ترتكن الدول العربية البارعة في مجال التكنولوجيا العسكرية إلى تنظيم معارض الأسلحة التي توفر بيئة جذب مهمة للخطوات التي انتهجتها في مجال التسليح المحلي.

ويعود السبق في ذلك إلى الإمارات التي أقامت أول دورة من معرض ومؤتمر الدفاع الدولي “إيديكس” في العام 1993، الأمر الذي أهّله ليصبح أهم وأضخم المعارض المعنية بالصناعات العسكرية على مستوى الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

ومن المقرر أن تنظم القاهرة معرض “إيديكس 2020” في ديسمبر المقبل في ثاني دورة له، فيما تستعد السعودية لإطلاق معرض الدفاع العالمي الأول بعد عامين، وسوف يركز على التكامل المشترك بين أنظمة الدفاع الجوي والبري والبحري والأقمار الاصطناعية وأمن المعلومات.

يتفق العديد من الخبراء على أن الجهود الحالية تنطوي على محاولات جادة لبناء قواعد عسكرية ذات طابع وطني تمكن بعض الدول العربية من الاعتماد على قدراتها الذاتية، وتحقيق عوائد اقتصادية عبر إيجاد فرص عمل أكبر عن طريق تخصيص موارد الدولة في بناء بنية تحتية أساسية لاستيعاب وتشغيل أعداد كبيرة من القوى العاملة بمؤهلات تعليمية منخفضة، بدلا من الاعتماد على الاستيراد.

وثمة جهود تبذل للاستفادة من الخامات المحلية المتوافرة بكثرة، خاصة التي لا تحتاج إلى صناعات وسيطة، إلى جانب أنها تجد مرونة في الانتشار بمختلف المناطق التي تضم خدمات أولية بما يؤدي إلى تحقيق تنمية متوازنة بين الداخل والخارج، ونمو مجتمعات إنتاجية جديدة محلية.

وتعول استراتيجيات عربية في هذا الفضاء على تسخير الموارد الوطنية في إقامة عدد كبير من الصناعات بما يجعل الاقتصاد الوطني متوازنا وتقيه من الكساد الذي قد يحدث في الصناعة الواحدة، أو الصناعات القليلة التي تتخصص فيها الدول.

وكان ذلك دافعا نحو مصادقة العاهل المغربي الملك محمد السادس، في يوليو الماضي، على قانون يتعلق بتجهيزات الدفاع والأمن والأسلحة والذخيرة، بهدف تقنين أنشطة التصنيع والتجارة والاستيراد والتصدير العسكري.

شملت الأنشطة التي أقرها القانون المغربي، عتاد الحرب وأسلحة وذخيرة الدفاع ومكوناتها وفروعها وأجزاء عديدة منها، ومعدات الرؤية والمراقبة والرصد والاتصال المخصصة للعمليات العسكرية البرية والجوية والبحرية والفضائية، إلى جانب أسلحة القنص الرمادية والأسلحة التقليدية وأسلحة الهواء المضغوط.

أكد مدير مركز الصحراء وأفريقيا للدراسات الاستراتيجية عبدالفتاح الفاتحي أن المغرب دشن مشروعه نحو التسليح المحلي عبر وضع ترسانة تشريعية تمكن الشركات من تأسيس صناعات عسكرية وطنية أو بشراكة مع شركات دولية لدعم إنشاء الصناعات العسكرية عبر إصدار تراخيص التصنيع للقطاعين العام والخاص بما يساهم في نقل الخبرات والتكنولوجيا العسكرية الحديثة.

وأشار في تصريح خاص لـ”العرب” إلى أن هناك رغبة طامحة في تقليص فاتورة الإنفاق العسكرية التي تكلف المغرب مبالغ طائلة، وتنويع قدراته العسكرية، بعيدا عن شروط ممولي السلاح لضمان الاستقلالية العسكرية، إلى جانب وجود خطط للتعامل مع الصناعات العسكرية كوسيلة لتفعيل حركية التنمية الاقتصادية.

ولفت الفاتحي إلى أن التشريعات الحديثة تمهد لتوقيع عقود لبناء التجهيزات الأساسية للإنتاج العسكري بإمكانيات ذاتية أو بشراكة أجنبية، بعد أن بدأ المغرب مفاوضات لتوطين شركتين فرنسيتين متخصصتين في الصناعات العسكرية البحرية في الداخل لدعم تنفيذ إنشاء قاعدة عسكرية مغربية بساحل مدينة أسفي المغربية.

لدى بعض الدول العربية الكثير من الشراكات مع أخرى أجنبية لتطوير الأسلحة وصناعتها، وتشارك في عمليات تطوير الأسلحة المصرية دول مثل الولايات المتحدة، وروسيا، وبريطانيا، والصين، وجنوب أفريقيا، وفرنسا.

ومن المقرر أن تطلق شركة راثيون الأميركية، وهي من أكبر 10 شركات الدفاع في العالم، لإنشاء مركز لها في السعودية، بغرض إنتاج أنظمة الدفاع الجوي، والقنابل الذكية، والذخائر الموجهة، وأنظمة القيادة والسيطرة والاتصالات.

وأرجع المستشار بكلية القادة والأركان اللواء محمد الشهاوي الارتكان إلى القوى الدولية الفاعلة في صناعة التسليح إلى عدم وجود أياد عاملة بالدول العربية تستطيع أن تقدم صناعات تكنولوجية متطورة في مجالات الدفاع والتسليح، والأمر بحاجة إلى تطوير قدرات الكليات العسكرية، والاهتمام بالجوانب التكنولوجية بعيدا عن الدراسات العسكرية التقليدية.

وشدد في تصريح لـ”العرب” على أن الدول العربية ستكون بحاجة إلى السير في بناء هرمي وصولا إلى توطين صناعة الأسلحة عبر المرور بمراحل تجميع الأسلحة والمعدات والأجزاء المستوردة، ثم الوصول إلى مرحلة تجمع بين الاستيراد والتجميع الجزئي، وتعني تدرج التصنيع وتعميق نسبة التصنيع المحلي تدريجيا.

القاهرة استفادت جيدا من درس حظر الولايات المتحدة منظومة تكنولوجيا الإصلاح والصيانة لطائرات “أف – 16″ و”الأباتشي”

وتتمثل المرحلة التالية في الوصول بالصناعة العسكرية إلى القدرة على إنتاج أنظمة كاملة للسلاح، وقد يستمر خلالها استيراد بعض المستلزمات والمكونات من الخارج، ونهاية بمرحلة التصنيع الذاتي، الذي يتمثل وفقا للقدرات المالية والتكنولوجية العربية في الأسلحة والمعدات العسكرية التي لا تحتاج إلى تكنولوجيا متعددة.

ويصطدم التصنيع المحلي العربي للسلاح بجملة من المعوقات بحسب الدراسة التي نشرتها مجلة شؤون عربية، الصادرة عن جامعة الدول العربية، بعنوان “الصناعات العسكرية في المنطقة العربية.. الواقع والتحديات”، على رأسها الكلفة المرتفعة اللازمة للتصنيع الحربي، لأن تأسيس مصنع المدفعية مثلا يحتاج في مرحلة التأسيس إلى مليار دولار، ومصنع الدبابات إلى ملياري دولار، أما مصنع الطائرات فحاجته أكبر من ذلك، وترتفع هذه الأرقام كثيرا بشأن مصانع التقنيات الرفيعة.

أضف إلى ذلك مشكلات التنافسية التي تواجه الأسلحة المحلية نظرا لاتساع الهوة بين القوى الإقليمية التي لديها خبرات واسعة في هذا المجال وبين التصورات العربية الصاعدة، وتشكل إحباطا لبعض التجارب البدائية في إنتاج الأسلحة والتي ترى أنها سوف يصبح محكوما عليها بالفشل ما لم تستعن بالخبرات الأجنبية، ودائما ما يرتبط ذلك باستيراد الأسلحة من الخارج، مع السماح بإنتاج هذه الأسلحة محليا.

ويتفق البعض من الخبراء العسكريين على أن الطموحات العربية الصاعدة تواجه مقاومة من دول وشركات كبرى مصنِّعة للأسلحة والعتاد الحربي، وتسعى هذه الدول المتقدمة علميا وتقنيا وصناعيا وشركاتها الكبرى، إلى أن تظل محتكرة للسوق العربية لاستيراد الأسلحة والمعدات، وعدم التفريط في ما يقرب من تريليون دولار يشكل حجم الميزانيات العربية الموجهة للسلاح خلال العشر سنوات الماضية

شاهد أيضاً

الحكومة الألمانية تحظر بيع محركات طائرات مسيرةلإيران

حظرت الحكومة الالمانية